.

لبنان بين "الكبار" والمهمة ستستكمل: الأبعاد الاستراتيجية للاتفاق مع قبرص؟

يعرض عون التفاوض مع العدو الاسرائيلي بندية، انطلاقا من المصلحة الوطنية العليا دون الرضوخ للضغط العسكري المتصاعد، مذكرا بالثوابت ال​لبنان​ية التي لا مجال للتنازل عنها. يقدم الرئيس المبادرة تلو الأخرى ،"فالمطالب المحقة لا بد أن تحدث الاختراق الدبلوماسي المنشود، بالتعاون مع الاصدقاء والاشقاء". ينفتح عون اليوم بإيجابية مطلقة على الأفكار المصرية، لمحاولة وقف الإعتداءات الاسرائيلية للوصول الى تفاهمات مستدامة. وفي اليوم نفسه يوقع اتفاق الحدود البحرية مع قبرص، باعتبارها نقطة تحول استراتيجية تحمل فرصا اقتصادية ودبلوماسية واعدة، فالتحديات الداخلية والخارجية كبيرة والوقت ضيق ليس لصالح لبنان في ظل تبدل موازين القوى الاقليمية، فلا بد من ربط لبنان بشبكة أمان تمكنه من استعادة الحصانة المفقودة. وقع عون الاتفاق مستندا على هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل، "الفتوى القانونية" سمحت له بإخراج هذا الملف من "الزواريب" اللبنانية، فذهب بعيدا في هذه الخطوة التي تتجاوز البعد الفني للترسيم، الى تجسيد تحول جذري في مقاربة لبنان لهذا الملف السيادي،والانتقال من مرحلة التردد الى اتخاذ القرارات لحفظ الحقوق، فأصبح لبنان بين "الكبار" على خارطة سوق الغاز في المنطقة، على قدر ما تسمح به موازين القوى الاقليمية وتعقيدات المشهد الدولي. خيرا فعل رئيس الجمهورية جوزاف عون بتوقيع الإتفاقية التي تهدف أولا الى إخراج لبنان من الصراع بين قبرص وأي دولة ثالثة على بعض المناطق الاقتصادية. هذا الإنجاز عزز مكانة هذا البلد الذي تحيط به المخاطر، على الساحة الدولية من رغم بعض الملاحظات الداخلية، التي يتفهما الرئيس من دون أن يعرقل ذلك جوهر التوقيع لاتفاق بهذا الحجم في هذه المرحلة الدقيقة في المنطقة. لم ولن ينجح الضجيج الداخلي حيث يتعامل البعض مع الملف من زوايا ضيقة ومن باب "الحرتقات" في التضييق على المسيرة الجديدة في الوقت التي يحتاج لبنان فيه الى "نافذة امل" تضعه مجددا على الخارطة الإقليمية. لبنان اليوم أمام مسار اقتصادي جديد، استكشاف للغاز الطبيعي وتأمين مصادر دخل جديدة لمحاول النهوض بالاقتصاد ونقله من ريعي الى منتج عبر جذب الاستثمارات الاجنبية في قطاع الطاقة. إن لبنان من دون هذه الإتفاقية لا يملك أي منفذ بحري لتصدير غازه مستقبلا، والتشبيك سيسمح بتأمين كل المستلزمات اللوجستية لذلك مع قبرص. وهو ما شرحه الرئيس عون بوضوح " بأن الاتفاقية تسمح بإطلاق مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة، والطاقة المتجددة خصوصا والإتصالات وخطوط نقلها، والسياحة وبرامجها و​الأمن والدفاع​". اما "العين" مستقبلا فتبقى لعملية استجرار الكهرباء. إن البعد الإستراتيجي لهذه الإتفاقية، يشكل الهاجس الاول لدى الرئيس عون وهو لم يكن يتحدث "بالاصول البروتوكولية"، حين توجه للرئيس القبرصي بوضوح وعلى نحو مباشر، ودون مواربة، معبرا "عن رغبة لبنان في الإستفادة من تسلم قبرص رئاسة الإتحاد الأوروبي مطلع العام المقبل، لتكثيف وتسريع آليات التواصل مع أوروبا لتعزيز التعاون المشترك، و أبرزها مشروع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين لبنان والاتحاد الاوروبي. وتشير المعلومات الى ان الرئيس القبرصي تعهد ببذل جهود جدية لتسريعها ووعد بتوقيعها خلال فترة رئاسته. بالموازاة تكثر محاولة "الواشين" بإثارة "الزوبعة في الفنجان" حول احتمال توتر العلاقة مع ​تركيا​ وسوريا على خلفية توقيع لبنان الاتفاق البحري مع قبرص. إن هذه "الخطوة التاريخية" بنيت على أساس حان للجميع الرضوخ لواقعيته، إن لبنان دولة ذات سيادة ويملك كل الحقوق القانونية لإبرام اتفاقية ثنائية مع أي دولة، اليوم حصلت مع قبرص وتم تحديد الحدود البحرية لكلا البلدين دون نية المس بحقوق دولة ثالثة التي يمكنها الإعتراض حصرا من دون أن يكون لها القدرة على تعطيل الاتفاقية وبالتالي الترسيم الراهن. وعليه من المتوقع أن تقوم أنقرة بإرسال رسالة اعتراض إلى الدولة اللبنانية، كما حصل سابقا مع مصر على أن يتم معالجة الملف التقني لاحقا سواء مع تركيا او سوريا. ومن المتوقع أن تساهم الرعاية السعودية والفرنسية للملف الى إطلاق مسار ترسيم ثنائي مع دمشق حيث تبقى النقاط الخلافية معها مفتوحة للتفاوض في المستقبل. واذا كانت تركيا تريد استخدام أدوات ضغط دبلوماسية أو سياسية لإبقاء ملف الترسيم مفتوحا، فإن الغاز اللبناني سيشكل رقما مؤثرا في توازنات الطاقة الإقليمية المستقبلية حيث ستجد أنقرة نفسها أمام إقامة شراكات اقتصادية جديدة مع لبنان. من يعرف الرئيس عون جيدا عن يدرك انه لن يتراجع، لم يفعلها عندما كان في "اليرزة"، ولن يفعلها بعد دخوله الى بعبدا، يدرك انه يسير في "حقل من الالغام"، وأن العبور بالبلاد إلى بر الامان يتوجب استكمال المهمة.

No English content for this article.

Aucun contenu en français pour cet article.

Get Our Latest News & Update