رحيل الأباتي بولس نعمان… من قيادة الرهبانية في زمن الحرب إلى كتابة تاريخ لبنان والموارنة

أخبار عامة الشرق الأوسط

غيّب الموت الأباتي بولس نعمان عن عمر ناهز الرابعة والتسعين، وهو أحد أبرز الوجوه الروحية والفكرية والوطنية التي طبعت تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية الحديث، بعدما جمع في مسيرته بين الحياة الرهبانية والبحث الأكاديمي والاهتمام بالشأن الوطني، وتولّى قيادة الرهبانية في واحدة من أصعب مراحل الحرب اللبنانية.

وُلد نعمان في بلدة شرتون عام 1932، ودخل دير الابتداء عام 1951، لتبدأ مسيرة رهبانية وعلمية طويلة. درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس–الكسليك، قبل أن يُوفد إلى روما، حيث نال إجازة في اللاهوت عام 1959، ثم دكتوراه في التاريخ عام 1966 من الجامعة الغريغورية.

وبعد عودته إلى لبنان، تولّى مهمات تعليمية وإدارية في عدد من مؤسسات الرهبانية، من بينها المعهد اللبناني في بيت شباب وجامعة الروح القدس–الكسليك، وبرز أستاذًا وباحثًا ومؤرخًا اهتم بتاريخ لبنان والكنيسة المارونية ودور الموارنة في صياغة الهوية اللبنانية.

قيادة الرهبانية في قلب الحرب

عام 1980، انتُخب الأباتي بولس نعمان رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية، واستمر في منصبه حتى عام 1986، في مرحلة كانت الحرب اللبنانية خلالها في ذروة تعقيداتها السياسية والأمنية.

ولم يقتصر حضوره خلال تلك السنوات على إدارة شؤون الرهبانية، بل برز في النقاش الوطني حول مستقبل لبنان ووجوده وهويته، مدافعًا عن الدور التاريخي للمسيحيين والموارنة في لبنان، ومتمسكًا في الوقت نفسه بفكرة العيش المشترك والحوار بين اللبنانيين.

وفي مرحلة كان فيها لبنان يواجه خطر الانقسام وتداعيات الحرب، شكّلت مواقف نعمان جزءًا من الحضور الوطني للرهبانية اللبنانية المارونية، إذ كان يرى أن الحفاظ على الحضور المسيحي لا ينفصل عن الحفاظ على لبنان بتعدديته وخصوصيته.

المؤرخ الذي قرأ الحاضر من خلال الماضي

إلى جانب موقعه الروحي والقيادي، ترك الأباتي نعمان إرثًا فكريًا وبحثيًا، واهتم في كتاباته بتاريخ الموارنة ولبنان والتحولات التي واجهت المجتمع المسيحي.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب «لبنان الموارنة إلى أين؟»، الذي تناول من خلاله أسئلة مرتبطة بمستقبل الموارنة ودورهم في لبنان، في مقاربة جمعت بين قراءة التاريخ واستشراف التحولات التي كانت تواجه البلاد.
وبالنسبة إلى نعمان، لم يكن التاريخ مجرد سرد للماضي، بل أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وهو ما انعكس في أبحاثه ومداخلاته ومواقفه خلال عقود من العمل الأكاديمي والكنسي.

برحيل الأباتي بولس نعمان، تفقد الرهبانية اللبنانية المارونية أحد أبرز وجوه مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث، ويرحل شاهد على عقود من التحولات التي عاشها لبنان، من قلب المؤسسات الأكاديمية والرهبانية وصولًا إلى سنوات الحرب وأسئلتها الكبرى.

ويبقى إرثه موزعًا بين الرهبانية التي قادها في زمن استثنائي، والجامعة التي درّس فيها، والكتب والأبحاث التي تركها، ومواقفه التي جعلت منه شخصية تجاوز حضورها أسوار الدير إلى مساحة أوسع من الحياة الوطنية اللبنانية.

No English content for this article.

Aucun contenu en français pour cet article.

الكلمات المفتاحية
شارك هذا المقال
تم نسخ الرابط

Get Our Latest News & Update