أكثر من 80 مستثمرًا إماراتيًا في بيروت... هل بدأ رأس المال الخليجي بالعودة إلى لبنان؟

مقالات مختارة المصدر: The National- L'Orient Today

لم تكن زيارة وفد اقتصادي إماراتي يضم أكثر من 80 من رجال الأعمال والمستثمرين والقيادات الاقتصادية إلى بيروت مجرد محطة بروتوكولية جديدة في سجل العلاقات اللبنانية الخليجية. فحجم الوفد، والقطاعات التي يمثلها، واللقاءات التي عقدها، والاتفاقات التي رافقت الزيارة، كلها تجعل السؤال أبعد من الزيارة نفسها: هل بدأ لبنان فعلًا يستعيد موقعه على خريطة الاستثمار الخليجي؟

وصل الوفد الإماراتي برئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، وشارك في الملتقى الاقتصادي اللبناني الإماراتي الذي جمع مسؤولين وقيادات من القطاع الخاص في البلدين. وفي موازاة اللقاءات الرسمية، عُقدت اجتماعات مباشرة بين رجال أعمال إماراتيين ولبنانيين لاستكشاف فرص التعاون والاستثمار.

وتكشف تركيبة الوفد حجم الاهتمام واتساعه. فالقطاعات المطروحة لم تقتصر على السياحة والعقارات، وهما من المجالات التي ارتبط بها رأس المال الخليجي تاريخيًا في لبنان، بل شملت الخدمات اللوجستية والطاقة والزراعة والطيران والتكنولوجيا والصناعة والبنى التحتية والخدمات.

وبحسب وزارة الصناعة اللبنانية، عُقدت لقاءات ثنائية بين نحو 50 رجل أعمال من الوفد الإماراتي وحوالي 120 رجل أعمال لبنانيًا، شملت قطاعات التجارة والصناعة والزراعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والبترول والغاز والمصارف والبنى التحتية والخدمات.

المستثمر يبحث عن موقعه قبل اكتمال التعافي

ربما تكون العبارة الأكثر دلالة خلال الزيارة هي الحديث داخل أوساط الأعمال الإماراتية عن فرصة الـ first-mover advantage ، أي الميزة التي يحصل عليها المستثمر الذي يدخل السوق قبل الآخرين.

هذه الفكرة تختصر جزءًا مهمًا من النظرة الاستثمارية إلى لبنان اليوم. المستثمر لا ينتظر بالضرورة أن يصبح الاقتصاد متعافيًا بالكامل حتى يتحرك؛ ففي بعض الأحيان تكون الفرص الأكبر موجودة تحديدًا عندما تكون أسعار الأصول منخفضة والسوق في بداية التحول، شرط أن يرى المستثمر اتجاهًا واضحًا نحو الاستقرار والإصلاح.

وهنا تكمن فرصة لبنان ومشكلته في الوقت نفسه.

فالبلد يمتلك قطاعًا خاصًا نشطًا، وكفاءات بشرية، وانتشارًا لبنانيًا واسعًا حول العالم، وموقعًا جغرافيًا يمكن أن يمنحه دورًا في حركة التجارة والخدمات في المنطقة. لكن هذه المقومات اصطدمت طوال السنوات الماضية بانهيار مالي ومصرفي، وضعف المؤسسات، والمخاطر السياسية والأمنية، ما جعل الاستثمار طويل الأمد أكثر صعوبة.

وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط لم يحاول إخفاء هذه الحقيقة أمام الوفد الإماراتي. فقد أقر بأن لبنان يمر بمرحلة شديدة الصعوبة، لكنه اعتبر أن وجود المستثمرين الإماراتيين يحمل رسالة بأن لبنان "لم يُشطب من الحسابات". وفي الوقت نفسه، ربط تحويل الإمكانات إلى نمو بإصلاح القطاع المصرفي والإطار المالي والخدمات الأساسية وطريقة عمل الدولة.

من الزيارة إلى "خريطة استثمار"

الأهم أن اللقاءات لم تنته عند إعلان النوايا. فلبنان والإمارات وقّعا مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجالي التجارة والاستثمار، كما أُعيد تفعيل مجلس الأعمال الإماراتي–اللبناني المشترك، ليكون منصة لتبادل المعلومات حول الأسواق والفرص الاستثمارية وتطوير الشراكات والمشاريع المشتركة.

والهدف المطروح يتجاوز البحث عن صفقة منفردة إلى إعداد ما يشبه خريطة طريق استثمارية تحدد القطاعات والفرص التي يمكن لرأس المال الإماراتي الدخول إليها.

كما انتهى المنتدى إلى مجموعة اتفاقات اقتصادية، فيما تركزت المناقشات على تسهيل دخول الشركات إلى الأسواق، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، وتحديد القطاعات القابلة لبناء شراكات بين شركات البلدين.

وتبرز هنا أهمية الإمارات تحديدًا. فالعلاقة الاقتصادية ليست جديدة، وهناك آلاف اللبنانيين الذين يعملون ويستثمرون في الإمارات، فيما تشكل دبي وأبوظبي مركزين أساسيين للأعمال اللبنانية في الخليج. وبالتالي، فإن إعادة بناء العلاقة الاستثمارية لا تبدأ من الصفر، بل تستند إلى شبكة بشرية وتجارية قائمة أصلًا.

4.2 مليارات دولار... العلاقة التجارية لم تختفِ

ورغم التراجع السياسي الذي شهدته العلاقات خلال السنوات الماضية، بقيت التجارة بين البلدين ذات وزن كبير.

وخلال زيارته إلى بيروت، أشار الزيودي إلى أن حجم التجارة غير النفطية بين لبنان والإمارات بلغ نحو 4.2 مليارات دولار في العام الماضي، وهو من أعلى المستويات المسجلة خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة.

هذا الرقم مهم لأنه يظهر أن العلاقات الاقتصادية لم تختفِ حتى عندما تراجعت العلاقات السياسية. لكن التجارة شيء والاستثمار طويل الأمد شيء آخر.

فالمستثمر الذي يبيع ويشتري يستطيع تعديل قراراته بسرعة، بينما من يدخل في مشروع للطاقة أو البنى التحتية أو التكنولوجيا أو السياحة يحتاج إلى رؤية تمتد سنوات، وإلى ضمانات تتعلق بالقوانين والقضاء والاستقرار والتمويل.

المشكلة التي لا يمكن تجاهلها: الذاكرة الاستثمارية

ولا يمكن الحديث عن عودة الاستثمار الإماراتي من دون التوقف عند تجربة السنوات الماضية.

ففي كانون الثاني 2026، أعلنت مجموعة الحبتور الإماراتية أنها تعتزم اتخاذ إجراءات قانونية ضد الدولة اللبنانية على خلفية خسائر قالت إنها بلغت نحو 1.7 مليار دولار مرتبطة باستثماراتها وأموالها في لبنان.

وهذه القضية تختصر جزءًا من أزمة الثقة التي سيواجهها لبنان إذا أراد استقطاب رأس المال الخليجي مجددًا.

المستثمر الجديد لن ينظر فقط إلى الفرص المستقبلية؛ سينظر أيضًا إلى ما حدث للمستثمرين السابقين، وإلى مصير الودائع، وإمكان تحويل الأموال، وفعالية القضاء، واستقرار التشريعات، وقدرة الدولة على احترام العقود.

لهذا فإن وصول عشرات المستثمرين إلى بيروت لا يعني تلقائيًا وصول عشرات الاستثمارات.

السياسة والأمن جزء من الحسابات

عودة الاهتمام الإماراتي لا يمكن فصلها أيضًا عن التحسن الذي طرأ على العلاقات السياسية بين البلدين.

الإمارات أعادت فتح سفارتها في بيروت، كما رفعت في حزيران/يونيو القيود التي كانت مفروضة على سفر مواطنيها إلى لبنان، قبل أن تتسارع الاتصالات الاقتصادية.

لكن المستثمرين، مهما كانت العلاقات السياسية جيدة، يحسبون المخاطر بطريقة مختلفة. فالاستقرار الأمني، وانتظام المؤسسات، وحصرية القرار بيد الدولة، وقدرتها على تنفيذ الإصلاحات، كلها تتحول عند اتخاذ القرار الاستثماري إلى أرقام تحدد حجم المخاطر والعائد المتوقع.

ولهذا كان لافتًا أن الخطاب اللبناني نفسه أمام الوفد لم يفصل الاقتصاد عن هذه الملفات.

هل عاد الخليج إذًا؟

من المبكر القول إن رأس المال الخليجي عاد إلى لبنان. ما حدث حتى الآن هو ربما الخطوة التي تسبق ذلك: عودة لبنان إلى شاشة الرادار الاستثماري الإماراتي.

هناك وفد كبير جاء إلى بيروت. هناك رجال أعمال التقوا نظراءهم اللبنانيين. هناك قطاعات محددة قيد الدراسة. وهناك مجلس أعمال مشترك ومذكرة تفاهم ومسار رسمي لتطوير العلاقات الاقتصادية. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مغادرة الوفود.

كم مشروعًا سينتقل من الاجتماعات إلى دراسة الجدوى؟ وكم شركة إماراتية ستقرر وضع رأس مال فعلي في لبنان؟ وهل تستطيع الدولة توفير البيئة القانونية والمالية والأمنية التي تسمح لهذه الاستثمارات بالبقاء؟

الفرصة موجودة، وربما تكون أكبر مما كانت عليه منذ سنوات. لكن المستثمر الإماراتي لا يأتي إلى لبنان بدافع الحنين، ولا تكفيه رسائل الترحيب. إنه يبحث عن العائد، والاستقرار، والقانون، والقدرة على إخراج أمواله كما أدخلها.

وهنا تحديدًا تقع مسؤولية لبنان. فالزيارة التي ضمت أكثر من 80 شخصية اقتصادية إماراتية قد تكون بداية تحول حقيقي، وقد تبقى مجرد محطة إيجابية أخرى في سلسلة المؤتمرات والوعود.

الفارق بين الاحتمالين لن تحدده الإمارات وحدها، بل قدرة لبنان على تحويل الثقة السياسية المستعادة إلى دولة يمكن الاستثمار فيها.

No English content for this article.

Aucun contenu en français pour cet article.

الكلمات المفتاحية
شارك هذا المقال
تم نسخ الرابط

Get Our Latest News & Update