من لبنان إلى سوريا وتونس... العذراء تجمع شعوب المنطقة في تقاليد لا تغيب

خاص صوت المغترب

في الخامس عشر من آب من كل عام، تتحول مدن وقرى عديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى ساحات للاحتفال بعيد انتقال السيدة العذراء مريم، في مناسبة لا تقتصر على بعدها الديني، بل تحمل معها تقاليد شعبية واجتماعية توارثتها العائلات والمجتمعات عبر أجيال.

ومن لبنان إلى سوريا وتونس، خرج المؤمنون هذا العام إلى الكنائس والساحات والشوارع، وشاركوا في القداديس والمسيرات والمواكب، فيما استعادت بعض البلدات عادات ارتبطت بتاريخها وذاكرتها الجماعية.

ورغم اختلاف أشكال الاحتفال بين بلد وآخر، يجمع بينها حضور العائلة والمجتمع، وتمسّك السكان بعاداتهم، إلى جانب مشاركة أبناء هذه المناطق المقيمين في الخارج والذين تشكل الأعياد بالنسبة إليهم فرصة للعودة إلى جذورهم واستعادة صلتهم بالوطن.

لبنان... العذراء تجمع القرى والأهالي

في لبنان، ورغم الحرب والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت حياة اللبنانيين خلال السنوات الماضية، حافظت مناطق عدة على احتفالاتها بعيد انتقال السيدة العذراء، فامتلأت الكنائس بالمؤمنين وشهدت قرى وبلدات مسيرات وصلوات واحتفالات لكل منها طابعها الخاص.

وفي مدينة جزين الجنوبية، اختُتمت مسيرة طويلة بإطلاق مسبحة مصنوعة من البالونات نحو السماء، قبل أن يُرفع تمثال السيدة العذراء فوق الحشود بواسطة رافعة، في مشهد رافقه نثر بتلات الزهور على المشاركين.
وتحمل مثل هذه الاحتفالات في القرى اللبنانية بعدًا يتجاوز المناسبة الدينية، إذ تتحول في كثير من الأحيان إلى موعد سنوي للقاء أبناء البلدة، وبينهم عدد من المغتربين الذين يعودون إلى لبنان خلال فصل الصيف .

"الهريسة" في بحمدون... تقليد يجمع أبناء البلدة

وفي بحمدون في جبل لبنان، حضرت واحدة من العادات الشعبية المرتبطة بالمناسبة، حيث حافظ الأهالي على تقليد إعداد «الهريسة» جماعيًا.
ويتشارك أبناء البلدة في تحضير هذا الطبق التقليدي المصنوع من القمح واللحم، فيما يتناوب المشاركون على تحريكه في قدور كبيرة على مدى ساعات.
ولا تقتصر أهمية هذا التقليد على الطعام نفسه، بل تكمن في الطابع الجماعي للتحضير، حيث يلتقي أبناء البلدة ويتشاركون العمل والاحتفال، في صورة تعكس الدور الذي لا تزال تؤديه المناسبات الدينية في المحافظة على الروابط الاجتماعية.

المغتربون... العيد موعد للعودة إلى الجذور

وتكتسب هذه الاحتفالات أهمية خاصة لدى أبناء المنطقة المنتشرين حول العالم.
فبالنسبة إلى كثير من العائلات المهاجرة، لا تبقى الأعياد مجرد مناسبة دينية، بل تتحول إلى رابط مع القرية أو المدينة الأم، وإلى فرصة لتعريف الأبناء والأحفاد بعادات ربما لم يعيشوها في بلدان الاغتراب.
وتزداد أهمية هذا البعد خلال فصل الصيف، حين يعود عدد كبير من أبناء الانتشار إلى لبنان ودول المنطقة لقضاء العطلة، فتتحول الأعياد والمهرجانات والاحتفالات القروية إلى مساحات للقاء المقيمين والمغتربين.

سوريا... الاحتفال مستمر رغم التحديات

وفي سوريا، أُقيمت احتفالات في عدد من المناطق رغم الظروف الصعبة والتحديات الأمنية التي تواجهها المجتمعات المسيحية.
وبرزت بلدة مرمريتا كإحدى المحطات اللافتة، مع عودة الكرنفال الذي يُعد من أشهر تقاليد البلدة، ويعود تنظيمه للمرة الأولى إلى عام 1975.
وامتلأت الشوارع بالموسيقى وأجواء الفرح، وارتدى المشاركون أزياء تنكرية ملونة وجابوا أنحاء البلدة، في استعادة لتقليد لطالما جمع الأهالي وأبناء مرمريتا المنتشرين في الخارج خلال فترة العيد.
ويحمل حضور المغتربين إلى مثل هذه المناسبات رمزية خاصة، إذ تتحول العودة من بلدان الانتشار إلى مشاركة فعلية في حياة البلدة والمحافظة على تقاليدها ونقلها من جيل إلى آخر.
وفي ظل ما شهدته سوريا خلال السنوات الماضية من هجرة واسعة، يصبح استمرار هذه المناسبات أيضًا تعبيرًا عن التمسك بالهوية والذاكرة والمكان.

تونس... تقليد جاء من صقلية واستقر على المتوسط

أما في تونس، فتركزت الاحتفالات في حلق الوادي، البلدة الساحلية القريبة من العاصمة، حيث يستمر تقليد موكب «سيدة تراباني» الذي يحمل تاريخًا مختلفًا يجمع بين تونس وصقلية والبحر المتوسط.
وبعد القداس في كنيسة القديسين أغسطينوس وفيديليس، حمل المؤمنون تمثال السيدة العذراء وطافوا به في الشوارع احتفالًا بعيد انتقالها.
ويعود أصل هذا التقليد إلى صيادين صقليين استقروا في حلق الوادي خلال القرن التاسع عشر. وكان الصيادون يحملون تمثال العذراء باتجاه البحر طالبين منها أن تبارك المياه وتحميهم وتمنحهم صيدًا وفيرًا.
ومع مرور السنوات، أصبح الموكب جزءًا من ذاكرة المنطقة وتاريخها الاجتماعي.
إلا أن التقليد توقف خلال ستينيات القرن الماضي، بعد رحيل قسم كبير من المسيحيين الأوروبيين عن تونس، قبل أن تتم إعادة إحيائه عام 2017، ليعود مرة أخرى إلى شوارع حلق الوادي.

من جيل إلى جيل

تكشف الاحتفالات الممتدة من لبنان إلى سوريا وتونس جانبًا آخر من الأعياد في المنطقة، حيث يتداخل الإيمان مع العادات الشعبية والذاكرة والهجرة.
فقد تتغير الظروف، وتتبدل المجتمعات، ويغادر كثيرون قراهم ومدنهم إلى بلدان بعيدة، لكن بعض التقاليد تبقى قادرة على جمع الناس حول ذاكرة مشتركة.
وبالنسبة إلى المغتربين تحديدًا، تشكل هذه المناسبات فرصة لاستعادة العلاقة مع المكان الأول، وتعريف الأجيال الجديدة إلى عادات الأهل والأجداد.
وهكذا يبقى عيد انتقال السيدة العذراء، بأشكاله المختلفة من قرية إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، مناسبة تجمع بين الإيمان والفرح الجماعي، وبين من بقي في أرضه ومن حمل معه تقاليدها إلى بلاد الاغتراب.

No English content for this article.

Aucun contenu en français pour cet article.

شارك هذا المقال
تم نسخ الرابط

Get Our Latest News & Update